عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

96

مرآة الجنان وعبرة اليقظان

التعصب ، فعاد إلى التدريس ، وكان بالغاً في العلم نهاية ، مستجمعاً أسبابه ، فبنيت المدرسة الميمون النظامية ، وأقعد للتدريس فيها ، واستقامت أمور الطلبة ، وبقي ذلك قريباً من ثلاثين سنة من غير مزاحم ولا مدافع ، فسلم له المحراب والمنبر ، والخطابة والتدريس ، ومجلس التذكير يوم الجمعة والمناظرة ، وهجرت له المجالس ، فانغمز غيره من الفقهاء بعلمه وتسلطه . قلت : يعني اقتداره على العلوم والتصرف فيها وكسدت الأسواق في جنبه ، ونفق سوق المحققين من خواصه وتلامذته ، وظهرت تصانيفه ، وحضر درسه الأكابر والجمع العظيم من الطلبة ، وكان يقعد بين يديه كل يوم نحو ثلاثمائة رجل من الأئمة والطلبة ، وتخرج به جماعة من الأئمة الفحول وأولاد الصدور ، حتى بلغوا محل التدريس في زمانه ، وانتظم بإقباله على العلم ، ومواظبته على التدريس والمناظرة ، والمباحثة أسباب ومحافل ، ومجامع وإمعان في طلب العلم ، وسوق نافقة لأهله ، لم تعهد قبله . واتصل به ما يليق بنصبه من القبول عند السلطان والوزير والأركان ، ووفور الحشمة عندهم ، بحيث لا يذكر من غيره ، وكان المخاطب والمشار إليه ، والمقبول من قبله ، والمهجور من هجره ، المصدر في المجالس ، من ينتهي إلى خدمته ، والمنظور إليه ، من يعترف في الأصول والفروع من طريقته ، واتفق منه تصانيف ، مثل النظامي والغياتي حصل بسببها موقع القبول ، بما يليق بها من الشكر والرضاء ، والخلع الفائقة والمراكب الثمينة ، والهدايا والموسومات ، كذلك إلى أن قلد زعامة الأصحاب ، ورئاسة الطائفة ، وفوض اليه أمور الأوقاف ، وصارت حشمة وزراء العلماء والأئمة والقضاة ، وقوله في الفتوى مرجع العظماء والأكابر والولاة ، واتفقت له نهضة في أول ما كان من أيامه إلى أصبهان ، بسبب مخالفة بعض الأصحاب ، فلقي بها من المجلس النظامي ما كان اللائق بمنصبه من الاستيشار والإعزاز والإكرام بأنواع المبار ، وأجيب بما كان فوق مطلوبه ، وعاد مكرماً إلى نيسابور ، وصار أكثر عنايته مصروفاً إلى تصنيف الكتاب الكبير في المذاهب ، المسمى بنهاية المطلب في دراية المذهب ، حتى حرره ، وأملاه ، وأتى فيه من البحث والتقرير ، والسبك والتنقير ، والتدقيق والتحقيق ، بما شفى العليل ، وأوضح السبيل ، ونبه على قدره ومحله في علم الشريعة ، ودرس ذلك للخواص والتلامذة ، وفرغ منه ومن إتمامه ، فعقد مجلساً لتتمة الكتاب ، حضره الأئمة والكبار ، وختم الكتاب على رسم الإملاء والاستملاء ، وتبجح الجماعة بذلك ، ودعوا له ، وأثنوا عليه ، وكانوا من المعتدين بإتمام ذلك ، شاكرين عليه ، فما صنف في الإسلام قبله مثله ، ولا اتفق لأحد ما اتفق له ، ومن قاس طريقته وطريقة المتقدمين في الأصول والفروع ، وأنصف ، أقر بعلو منصبه ووفور تعبه ونصبه في الدين ، وكثرة شهرته في استنباط الغوامض ، وتحقيق المسائل ، وترتيب الدلائل .